روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
44
عرائس البيان في حقائق القرآن
الحالات بقوله : إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وخوفه كان شفقة عليهم . قال ابن عطاء : أمره بدعائهم إلى توحيده ، وقد أشهده عظمته في القراءة وإحاطة علمه وقدرته بعباده ؛ فقال إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ فنطق بخوفه بلسان إعظام الحق وإجلاله ؛ خوفا من أن يرى تكذيبهم بمقال ، ورد عليهم من الحق خاف من استماعه إنكارا وأشفق من مشاهدتهم على ذلك إكبارا ، ولما استطاب موسى مقام المداناة والمناجاة مع الحق سبحانه تعلل بقوله : وَيَضِيقُ صَدْرِي أي : ضاق صدري من حمل وارد كشف الألوهية ، ومن غاية سكري بشراب المحبة والوصلة ، ونظر روحي إلى جمال الديمومية لا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ بإبلاغ الرسالة ، ولا يحتمل صدري رحمة رؤيتهم وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي بالعبارة عن مقامي بين يديك لهم . قال الشبلي : كذلك صفة من يحقق في المحبة أن يضيق صدره عن حمل ما فيه من أنواع المحن ، ويكل لسانه من الإخبار عن شيء منه لنفرح به ؛ فيموت فيها كمدا أو يعيش فيها فندا . ولما طاب وقت موسى في استماعه كلام الحق من الحق بلا واسطة ، وحصل له لذة الحضور والمشاهدة ثقل عليه إحكام الرسالة مع الخلق ، وإبلاغها إليهم فتعلل بقوله تعالى : فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 ) ، وليس بعجب طريان خوف الطبيعة وصفات البشرية على الأنبياء في الأصل ؛ فالمعرفة ثابت ، وهذا شرط الانبساط ، والسؤال عن سر القدر هل يكون مقتولا بيدهم بالحكم السابق ، فأخبره الحق سبحانه أن فرعون وقومه من الهالكين لأجل عصيانهم له بقوله : كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) أي : من كنت معه بالنصر والظفر لا يخذله أحد . قال أبو بكر بن طاهر : السؤال سؤال الحق تعالى عن علمه فأجابه : كَلَّا ، ثم بدأ قال : فَاذْهَبا . . . الآية ، وهو تقدير بسؤاله أي : هل في سبق علمك وواجب حكمك أن يقتلون ، يستدل على ذلك بجواب الحق له كَلَّا ، ثم خاطبه وبعثه بالرسالة ، وأمرهما بإظهار الدلالة . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 18 إلى 20 ] قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 19 ) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) قوله تعالى : قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ظن الملعون أنه ربي موسى ، وكان موسى مربّى في حجر وصلة اللّه سبحانه بألبان شفقته ، ورعاية حسن عنايته حقيقة ، فرجع إلى منة